يوميات قاطن معسكر ٣٠ والأخيرة

يوميات قاطن معسكر

(٣٠ والأخيرة) 

hi

 إبراهيم عبدالرحمن ود الخاتم، صديق علي في الحلة والمدرسة، رفيق الدرب قبل الحرب (يوميات قاطن معسكر ١،٢). طرق درب الجيش ودخل كرري العسكرية، وإنتقل بعدها إلى الإستخبارات. بسبب إنتماءه للإقليم، أُسندت إليه بعض الملفات الأمنية المتعلقة بمعسكرات النازحين، ومن وضمنها ملف علي إسماعيل الذي لم يعرف له درب منذ أمد بعيد (يوميات قاطن معسكر ٧، ٨). 

توجهت عربة ملاكي ذات لوحات تابعة لجهاز أمن نيالا، ومن أمامها وخلفها عربتا تاتشر مدججات بالسلاح وعلى ظهر كل منهما أربع من العسكر ‘أبهات أصبليطة فاضية’. فُتِحت لهم بوابة معسكر كلمة الرئيسية، وتوقفت مركباتهم عند مكتب مدير الحرس قُرابة البوابة، كانت هناك آثار فارغ أعيرة نارية كثيرة وذلك بسبب الحرب الضروس التي قامت بين قوّتان من حرس الحدود، انتهت بظفور مكلوم لحمّاد سكم، نائب رئيس حرس معسكر كلمة السابق على قوات ود الزاكي رئيس حرس حدود شمال دارفور. فرّ الأول بعد أن أسر شيخ ود الزاكي وفع عينه، فرّ به إلى سفوح جبل مرّة حيث قام بقتل العديد من السكان شرقي الجبل ليتبوأ وقومه مقعداً هناك، وكان ذلك بتوصية من مسؤول ملف دارفور بالحكومة على عثمان محمد طه.

 كان طرفا النزاع يُكِنان الولاء للقصر، ولكن كان هدف القصر هو أختبار ميزان القوة بالمنطقة، وإبقاء الأقوى، وايضاً لإعطاء قضية الاقليم طابع قبلي بحت بجميع تصنيفات الصراع. حدث التغيير الديمقرافي في منطقة سفح شرق الجبل، وإستقر حال حمّاد سكم هناك وبقي حارساً للمنطقة من قبل حكومة المركز خوفاً من وصول المعارضين للنظام إلى هناك. أما ود الزاكي، فقد قُتِل وصُلِب وبُشِّع بجسده الذي لم يواري الثرى، بل نهشت ما تبقى منه الطيور الجارحة وشاركتها فيه الكلاب الضالة.

 لم يُرحم  ودالزاكي، فقد دارت الأيام، بالأمس كان جنوده يقتلون رجال قرية ود فرقة ويغتصبون نساءهم، وها هو اليوم يُقتل بسمه وبواسطة محركيه من القصر بالمركز. أما قاتله حمّاد سكم فلم يكن بالقوة التي تمكنه من نيل مكانته القديمة، وخصوصاً بعد مقتل إخوانه التسعة الذي كان يباهي بهم الأمم، فبعد أن نفّذ كل ما أُوكل إليه بدقة وعلى أكمل وجه، ذاع صيت جبروته، مما أضطرّ قادة المركز بقول برآة منه، وجردوه من إمتيازاته، وتم إستبداله بشخص أخر. وتم إلحاق إسمه بقائمة المطلوبين للجنايات الدولية فيما بعد. 

وظل يتنقل بين الحين والآخر بغرض التخفي، فقد شاعت الأخبار بأنه يود أن يكون شاهد ملك على قادة المركز مقابل تخفيف عقوبته. فبظلمه للناس، وأرق الجنايات، وخوفه من غدر على عثمان، أصبح كثير الظن، يرى الدم، ولا يتنقل إلا ليلاً.

 

دخل إبراهيم ود الخاتم إلى مكتب نائب قائد حرس معسكر كلمة المكلّف، الذي كان يجلس على كرسي مكتبه واضعاً رجله على الطاولة التي تليه، وهو يفقع في التسالي، ويحتسي أم جنقر، وبعدهما كان يستعد لوضع سفة تمباك تحت شفته العُليا تجاه اليمين. كان أشولا، فبعد فراغه من ذلك مسح ما تبقى من سائل التمباك في يده على بدلته العسكرية ثم صافح إبراهيم  باليد ذاتها وفضّله على مكتبه. رفض إبراهيم الجلوس وقال له: أنا دايرك تأكد لي وصول الزول دا وأسرته للمعسكر خلال الأسابيع المضت. 

أوما العسكري راسه: طوالي هسة نجيب ليك خبرو. 

امر عساكره بالتوجه إلى خيمة التموين عشان يجيبو ليه السجل. 

إبراهيم: أنتو ما عندكم سجلات حقتكم؟

العسكري: والله ياخي الحاجات دي إنحرقت في المعارك الفاتت.

لم يعي إبراهيم بما قاله العسكري،  فقط إكتفى بإلقاء نظرة إستحقار للمكتب ورواده. وبعد جهد جهيد رجع المندوب ومعه عامل الإغاثة وفي يده ورقة تدل على أن أسرة علي قد تلقّت معونة في بداية الأسبوع وأنها تسكن في شرق المعسكر.

 إتجه وعسكره إلى تلك البقعة حيث لم يجد أحداً، فقد كان أفراد أسرة علي في شفخانة المعسكر، وهم قعود في دائرة وفي معيتهم، شريفة خطيبة علي، كانوا جلوساً وعلي يحمل درب مُلَصق بساعد شقيقه عثمان، فقد تدهور وضعه الصحي، ووصل حالة اللارجعة، في تلك اللحظات الحرجة التي يتمنى الإنسان أن لايرى عزيزاً فيها، ظل علي متماسكاً، وظل يلقن أخاه الشهادتين، ففي الجانب الروحي طمأنينة للمغادر وأهله، نظر الى أخيه الذي كان يقف معنوياً على حافة، يتأرجح فيها بين قدرين. 

مرّ شريط حياتهما المشتركة أمام أعين علي وهو يتذكر ذلك اليوم في فناء منزلهم عند الصباح الباكر، في أول أيام العطلة المدرسية، في أمان قرية عين قرفة وقتها.  كان علي في ذلك اليوم أمام تحدي كبير، فقد وعد أخاه عثمان بتعليمه قيادة الدرّاجة الهوائية خلال يوم واحد، فأوفى بعهده، وبعد أقل من ساعة أجاد عثمان مرحلة السيطرة على توازن الدرّاجة وسط تصفيق أهل البيت، وفي تلك الأحيان رجع والدهم حاج إسماعيل إلى المنزل بعد خروجه لإحضار السكر من دكان ود الخاتم، وعند دخوله وجد نفسه مواجهاً دراجة مسرعة وعلى سرجها ولده عثمان، وما أن أوقفها حتى وقع إبنه عثمان الذي أصيب بخدش طفيف على ركبته، فإلتفّت حوله الأسرة.  ها هو المنظر يتكرر ولكن بحيثيات مختلفة تماماً. 

فقد غيب الموت حاج إسماعيل، بعد قتله بدم بارد بأمر من ود الزاكي. أيضاً غاب أخاهم الأوسط أحمد، الذي إتخذ من الميدان مكاناً لتوصيل قضيتهم.  أحست الأم بقبضت إبنها عثمان تتراخى وتوهن، ونظرت إلى وجهه، فقد رفرف الجفن وأرتجفت الشفاة، وبرقت العينان، وإنتفض الجسم إلى الأعلى ثم نزل للأسفل ليستوي على الأرض. إنه الفراق، لم تكن مغادرة سلسة، لم تكن نهاية سينمائية، إنتفاضة الجسم تركت راسب سيئ في نفوس الجميع، ولكن لماذا؟ وهل هناك خروج سهل وخروج غير سهل؟ ومن جعل الأحياء حُكّاماً على ذلك؟ ياليته يرجع ويخبرهم بما يعلم وما مرّ به قبل لحظات، قبله علي على جبينه وسط صراخ من أخواته وشريفة. 

أما السيدة مريم يعقوب، فقد فقدت وفقدت، وما زالت تفقد، فُرِضت عليها عيشة ضنكاً تخللتها العديد من المتاعب والمصائب والأهوال، وها هي تفقد فلذةُ كبد. إعتصرها الألم وهي تحضن جسد عثمان خالي الروح. تذكرت تلك الليلة التي ولدته فيها، وكانت دائماً ما تقول: عثمان ولدي دا أسهل ولادة لي، عليكم الله خلوهو وما تسألو”. حدثتها نفسها أن يا مريم سوف تدفنيهم واحدا تلو الآخر. فقامت من مكانها وأطلقت صرخة مفجوعٍ لمن تصرخ بعدها في ذلك اليوم، حملنها جاراتها من هناك، وبقي علي وشقيقه أبوبكر وبعض من كانوا معه لحمل الجثمان وغسيله ولإكرامه بتعجيل الدفن. 

لم يكن علي على علم بطريقة غسيل الميت، فأغلبية الناس لا علم لهم بالمراسيم والطرق والطقوس لأن الأمر يتعلق بإنتقال الروح إلى مكان الاخر وترك الجسد لأوليائه. في تلك اللحظات العصيبة  كان علي يمر بمرحلة إنكار الحدث رغم تماسكه، وتدور الدنيا وما فيها أمام أعينه، تقدم العسكر نحوه وألقو عليه القبض بطريقة عدوانية جداً تخللها ضرب وشتم دون ان يستمعوا لأقرانه الذين قالوا للعسكر ان اخاه قد فارق الحياة لتوه، لم يأبه العسكر، واقتادوه الى مكتب نائب قائد حرس المعسكر حيث كان صديقه إبراهيم في إنتظاره. دخل عليه وقد خبره علي على الفور وإبراهيم له منكر. فعلي بالنسبة له الأن مجرّد فئة إحصائية يجب أن تستخدم سواء بضربها أو قسمتها للوصول إلى غايته. 

إبراهيم: تعرف عمّار سنونو ولا عمّار محمد؟

كان علي في عالم الملكوت يحاول أن يستنتج أنواع الأسئلة والأجواء التي تعيشها روح شقيقه المفارقة لدنياه، وهل ما درس في حصة التربية الاسلامية وما يدور منذ خروج الروح يتم بنفس السرد؟

لم يذهب في ذلك التفكير كثيراً فقد أيقظته، ضربة دبشق البندقية على ركبته والتي أدت لسقوطه على الارض، فكرر إبراهيم السؤال بنفس الهدوء. 

فردّ علي:  صديقي الوفي، 

إبراهيم: وين الزول دا؟

علي: جوابي المتوقع بالتأكيد ما عارف، إنقطعت أخبارو من فترة؟ 

إبراهيم آمراً العسكر: أرفعوا عشان نتخارج. 

قال علي: طيب ممكن أستر أخوي، لأنو توفي قبل شوية بعدين ودوني اي حتّة؟

لم يجاوب إبراهيم، وركب العربة الملّاكي دون أن يقع طرفه على صاحبه. 

وأُقتيد علي لبيت من بيوت أشباح بنيالا، وبدأ مسلسل التعذيب المبرح لإستخلاص أي معلومة عن مكان عمّار وضلوعه في عمليات عسكرية ضد الحكومة. بعد ثلاثة أيام من الضيافة، قدم إبراهيم وردد على مسامع علي : سمعنا إنّك كنت على صلة وثيقة بجنابو بخيت، وبرضو أخوك أحمد مع المتمردين وعندكم ناس جوة المدينة؟

لم يرد علي لعدم قدرته على إستجماع قواه لذلك. فأدار إبراهيم ظهره وأتجه نحو باب الغرفة قائلاً: بالمناسبة المعلومات دي كنّا بنشيلها من أخوك الهالك عثمان لمن كان في معسكر أبوشوك مقابل فتايل بتاعة سيدوفان، الدوا المخدر داك، غايتو من يومك رُخاص وبشتروكم بأبخس ثمن. 

وخرج من الغرفة وترك علي من دون تعذيب لمدة يوم كامل، وصدا الجملة الأخيرة يخيم على ما تبقى من أفكاره. هل كان أخي جاسوساً وهل تسبب في إعتقال ومقتل الكثيرين مقابل الكيف. تواتر الأحداث جعل عقله غير قادر على التركيز، وسؤال لا زال صداه باقي في مخيلته تحت أهوال بيت الأشباح – أين هو عمّار سنونو؟ هل ما زال على قيد الحياة، ولماذا كل الإهتمام به؟ 

في تلك الأحيان كان عمّار قد إجتاز آخر عقبة أمنية في مطار الخرطوم، وركب على متن طائرة بوينق ٧٣٧ المتجهة إلى أبوظبي ومنها إلى فرانكفوت ومن ثم إلى محطته الأخيرة إنسبروك النمساوية، كان في إستقباله موظفين من الصليب الأحمر، وأيضاً فريق من منظمة النماء النمساوية ومن بينهم أحد الإدارين الذي قابل بالسودان، وهو أحد اللعيبة الأساسين في تأمين تأشيرة النمسا، الدكتور مارتن أونريتش كان في مقدمة المستقبلين وقام بأحتضان عمّار في صالة المستقبلين. 

وبعد أشهر تمكن عمّار من الحصول على فيزا عمل وتغير عقد عمله في المنظمة من مؤقت إلى دائم. إستقر حاله في النمسا، لكنه على إتصال دائم مع صديقه علي وأسرته، وتمكن بالأموال التي يرسلها لهم من تغيير حياتهم نوعاً ما، فقد رحلت الأسرة إلى الخرطوم، حيث زاول على العمل في منظمة تعمل بشكل غير مباشر مع منظمة النّماء التي أصبحت محظورة. من هناك تمكن عمّار من تحميل فيديوهات على الانترنت وايضاً من الظهور على القنوات العالمية كلما أتاحت الفرصة لتقديم حقائق ومعلومات عن ما يجري في الأقليم والسودان. أصبح بوعبعه يؤرق النظام بعد تقديمه أدلة مصورة وشهادات موثقة من ضحايا وأيضاً إعترافات جنود صف، جمع الفيديوهات بنفسه وأيضاً عن طريق علي أسماعيل، شقيقه الذي لم تلده أمه. 

أما مريم يعقوب أم علي، فقد أصيبت بإكتئاب حاد، وأصبحت خرصاء، لا تتكلم، ويفهمها من تبقى من أبناءها علي وأبوبكر، وبناتها عائشة ونسيبة، حين تخاطبهم بلغة العيون، سكنوا في ضاحية دار السلام في نفس المكان الذي كان يقطنه عمّار. بعدها تم إرسال على إلى كلمة بواسطة المنظمة الإنسانية التي يعمل فيها. وأصبح كالمغترب في بلده، عاد يعمل بمعسكر كلمة. أخاه أحمد آثر البقاء بأرض الميعاد، في ميدان القتال ضد حكومة المركز، يخوض الحروب مع على رأس قوة نوعية وهو على رأسها. ومن وقت لآخر يتصل بأهله وعمّار خارج السودان. 

 كلمة لم يتغّير فيها شيئ، تبدل الحرس وقادتهم، ولم يطال التغيير سياستهم، كان علي يعمل في أحد خيم الإغاثة وأصبح مسؤول من وتسجيل بيانات النازحين الجدد وأرشفة بياناتهم، وفي بعض الأحيان يقوم بتعريفهم بمستحقاتهم، وفي يوم أربعاء يعمل في المدرسة مع خطيبته شريفة، لم يتزوجا بعد تعتيم أُفق المستقبل. في يوم من الأيام،  كان في خيمة المنظمة ودخل عليه فتى مراهق في الخامسة عشر من عمره، عيناه تحملان هم الدنيا وما فيها، توهان لم يغب عن علي، فقد أرجعه ذلك الموقف عشر سنوات إالى ماضي مريع، يوم وصوله إلى المعسكر. ها هو الزمن يعيد نفسه وهذا المراهق الذي أمامه يبدأ شبه حياة في هذا السجن الكبير في ظرف أسوء من الذي مرّ به علي. تحول الفتى بين ليلة وضحاها من مواطن أو رعية على الأرجح في قريته إلى نازح، قاطن معسكر. أفق مظلم من دون بصيص أمل…ينتج الألاف…وما زال الموّال مستمراً…

 …

20130203-221141.jpg20130219-125445.jpgcropped-20130403-1957141.jpg20130826-015952.jpg20130305-121450.jpg20130112-231106.jpg

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s